تسللت خيوط الشمس عبر فتحات النافذة مفرجة
للأمل طريقا عبر الأثير، حاملة معها كل معاني الحياة الجميلة إلى هاته الظلمة
الضيقة الآمال. استجمع أوصال جسده و نهض من فراشه، توضأ و أقام صلاته في حنو و خشوع
ثم خرج قاصدا المقهى.
استفقت أنا على وقع أحلام مبتورة و جزع لا
منتهي، شعرت أن نزعة من نوازع الجنون تلحق ذرات الطمأنينة بداخلي و تضحدها في غطرسة
بهيمية، كأن أعاصير الخريف و بوارقه اجتمعت برمتها في جسدي الآني. و سهام الأسئلة
تنساب مخترقة عباب فكري المشتت مجملا؛ كيف ؟
لماذا ؟ متى ؟ أدرك بعد حين انني أطرح أسئلة لحدث غير موجود، و أن لا إجابات
لعلامات الإستفهام الجاثمة أمام أسئلتي المخملية. أحسست أن الصواب وجد سبيله إلى
مفكرتي أخيرا بعد رحلة هوجاء تحت انقاض الجنون، خصوصا بعدما أيقنت أنه لا وجود لألم
أنوح لأجله و لا ضائقة من ضائقات الحياة أفكر في كسر شفرة أقفالها
…
سمعت صوت دقات الباب فتأهبت للنهوض، فتحت
فألفيته صديقا لأبي. كومضة البرق اجتاحتني رزمة أحاسيس متضاربة لما ألم به حدسي خلف
عيني الرجل. – "بنيتي .. إن والدك مريض و ينتظر وصولكم" اقتضب الصمت جملته و استدار
ثاركا إياي في غياهب التيه أتلوى في سكون. غصت كثيرا في أعماق اللاحقيقة إلى أن
أخرجتني كلمات أمي و هي تسأل عمن كان الطارق، عجز شديد خالطني حينها فلم أجد لصياغة
الجواب سبيلا غير الصمت، لربما لأن الصدمة عطلت كل أفكاري، أو ربما خشيت عنها
الجنون فكتمت الخبر بين جوانحي …
وجدناه متكئا شاحب القسمات يتلو الشهادة، و
قد تجمهر حوله بعض الناس مما زاد في امتعاضي، وجدتني وسط الحلقة تارة أحدج وجوه
الناس فيغدو المشهد بعقلي كأننا في صدد تمثيلية على خشب المسرح، و أسترد نظري إلي
فلا أجد سوى الضعف يتمشى الهويناء في مجمل خصالي. فاقتادتني سذاجتني لأن أطلب
النجدة لكن دون جدوى …
نقلناه على متن سيارة إلى المستشفى
فاستقبلنا بعض الممرضين كان بينهم طبيب. أوعز نحو أبي متحسسا نبضه ثم هزّ رأسه صوب
وجوهنا الفاهرة أفواهها و قال" أدعوا الله" . في تلك اللحظة فارق ابي الحياة و
تعالت أصوات الصراخ مكسرة سكون المستشفى. نظرت إلى وجهه التي بدت عليه ملامح الهدوء
و السكينة فخيل إلي أنه قد ألقى بنعش الهموم و المصائب كلها التي عانقت كاهله إلى
اليوم. فملأني هذا بقناعة الإستسلام لقضاء الله و قدره فخرجت و خرج معي صمت يملأه
الوداع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق